سيد محمد طنطاوي

297

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ونحوه قوله - تعالى - : يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ « 1 » . أي : إذا الشمس أزيل ضوؤها بعد انتشاره وانبساطه ، فأصبحت مظلمة بعد أن كانت مضيئة ، ومستتره بعد أن كانت بارزة . * ( وإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ) * أي : تناثرت وتساقطت وانقلبت هيئتها من اللمعان والظهور ، إلى الميل نحو الظلام والسواد . أي : وإذا النجوم تساقطت وانقضت . يقال : انكدر البازي ، إذا نزل على فريسته بسرعة ، وانكدر الأعداء على القوم إذا جاؤوا أرسالا متتابعين فانصبوا عليهم . ويصح أن يكون المعنى : وإذا النجوم تغيرت وانطمس نورها ، وزال لمعانها ، من قولهم : كدرت الماء فانكدر ، إذا خلط به ما يجعله مائلا إلى السواد والغبرة . * ( وإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ) * أي : اقتلعت من أماكنها فسارت في الفضاء بقدرة اللَّه - تعالى - . قال - تعالى - ويَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وتَرَى الأَرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً . وقال - سبحانه - : وسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً . * ( وإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ ) * والعشار : جمع عشراء كنفساء ، وهي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر . وتسمى بهذا الاسم إلى أن تضع لتمام السنة . والنوق العشار كانت من أثمن الأموال عند العرب ، وكانوا يحافظون عليها حتى في أشد حالات الخوف . ومعنى « عطلت » : أهملت وتركت بدون راع يحميها ، أو يلتفت إليها ، وهذا تصوير بديع لما يصيب الناس من أهوال ، تجعلهم لا يلتفتون إلى أعز أموالهم لديهم . أي : وإذا النوق العشار - التي هي أغلى الأموال - عطلت ، أي تركت دون أن يلتفت إليها أحد . لانشغال كل إنسان بنفسه . وقيل : المراد بالعشار : السحب المحملة بالأمطار . أي : وإذا السحب الحاملة للأمطار قد عطلت عن نزول المطر منها ، وصارت خالية من الماء الذي يحيى الأرض بعد موتها . قال القرطبي ما ملخصه : * ( وإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ ) * أي : النوق الحوامل التي في بطونها أولادها ، الواحدة عشراء . . وإنما خصت بالذكر ، لأنها أعز ما تكون عند العرب . . وهذا على وجه المثل . لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء ، ولكن أراد به المثل ، أن هول يوم القيامة ، بحال ما لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 707 .